recent
موجز اليوم

متلازمة اللكنة الأجنبية: تغيّر مفاجئ في صوت الإنسان يكشف غموض الدماغ ويقلب الهوية اللغوية والنفسية رأسًا على عقب

كيف يمكن لإصابة عصبية بسيطة أن تغيّر طريقة نطق الحروف، تولّد لهجة تبدو أجنبية، وتترك آثارًا نفسية واجتماعية عميقة على المصاب


كيف تغيّر الإصابات العصبية نطق الكلام واللهجة
كيف تغيّر الإصابات العصبية نطق الكلام واللهجة


تعدّ متلازمة اللكنة الأجنبية إحدى أكثر الظواهر العصبية غرابة وندرة، فهي حالة يفقد فيها الشخص قدرته الطبيعية على التحدث بلهجته المعتادة، ليظهر بشكل مفاجئ صوتٌ جديد يحمل خصائص نطقية تشبه لهجة أو لغة أجنبية لم يسبق له أن تعلّمها أو عاش في بيئتها.

 هذا التغيّر لا يمس المعجم اللغوي أو القدرة على فهم اللغة، بل يطرأ تحديدًا على طريقة النطق والإيقاع والتنغيم، ما يجعل المحيطين بالمصاب يشعرون وكأنه أصبح يتحدث بلغة أخرى.
غالبًا ما تظهر هذه المتلازمة بعد التعرض لحدث عصبي كبير، مثل السكتة الدماغية، إصابات الرأس الناتجة عن الحوادث، أو العمليات الجراحية التي قد تؤثر في مراكز الكلام. 

ويُعتقد أن السبب يعود إلى تلف دقيق جدًا في المناطق الدماغية المسؤولة عن التحكم في حركة عضلات النطق، خصوصًا في تنظيم مخارج الحروف وضبط النبرات، مما يؤدي إلى تغيير غير واعٍ في كيفية نطق الحروف المتحركة والحصول على إيقاع صوتي غير مألوف.

ورغم ندرتها الشديدة، فإن متلازمة اللكنة الأجنبية تُعد موضوعًا مهمًا في علم الأعصاب وعلم اللغة، لأنها تكشف مدى حساسية النظام اللغوي في الدماغ، وكيف يمكن لأي خلل بسيط أن يغيّر الطريقة التي نُصيغ بها أصوات كلامنا ونبرة لغتنا.

هذه التحولات الدقيقة في وضعية اللسان وحركة الفك لا تبدو للوهلة الأولى كبيرة أو ملحوظة، لكنها في الحقيقة كافية لتغيير طريقة خروج الأصوات وتحوير الإيقاع والتنغيم، ما يجعل الكلام يبدو كأنه صادر بلهجة أجنبية تمامًا. فاختلاف بسيط في ارتفاع اللسان، أو زاوية فتح الفم، أو شدّ عضلات النطق يمكن أن ينتج أصواتًا تختلف عن تلك التي اعتاد الشخص نطقها طوال حياته، لتمنح حديثه طابعًا صوتيًا غريبًا على أذنه وأذن الآخرين.

 هذه التفاصيل الصغيرة في الجهاز النطقي هي التي تُصنع منها اللهجات، وعندما تختلّ بصورة غير إرادية بسبب إصابة دماغية، تتحوّل بشكل مفاجئ إلى ما يشبه "لهجة جديدة" لا تنتمي فعلًا لأي لغة يتقنها المصاب.

وتشير الأرشيفات الطبية الدولية إلى أن عدد الحالات المسجّلة حول العالم قليل جدًا، لا يتجاوز بضع عشرات، ما يجعل هذه المتلازمة من أندر الاضطرابات العصبية المعروفة. ورغم محدودية عدد المصابين، فإن الأثر النفسي والاجتماعي للمتلازمة قد يكون عميقًا؛ فالشخص يجد نفسه فجأة يتحدث بطريقة لا تعكس هويته ولا تربطه بجذوره الثقافية واللغوية، الأمر الذي قد يخلق شعورًا بالاغتراب عن الذات.

 قد يواجه المصاب صعوبات في التواصل مع محيطه، أو يُساء فهم حالته، أو حتى يُتهم بالمبالغة أو التمثيل. كما قد تؤثر هذه التغيرات في علاقاته الاجتماعية وثقته بنفسه، خاصة إذا جاءت في مرحلة حساسة من حياته أو ترافقت مع تبعات عصبية أخرى.

وبينما يستمر الباحثون في دراسة هذه الظاهرة لفهم آلياتها الدقيقة، تبقى متلازمة اللكنة الأجنبية مثالًا يبرز مدى تعقيد الجهاز العصبي البشري، وكيف يمكن لخلل بسيط في دوائر الدماغ المسؤولة عن النطق أن يغيّر شيئًا عميقًا ومرتبطًا بالهوية مثل اللهجة التي نُعرّف بها أنفسنا للآخرين.

ما الذي يطرأ على الدماغ ليجعل صوت الإنسان يتغير فجأة؟

بحسب مختصّي علم اللغة العصبي، ومن بينهم باحثون قدّموا تحليلات موسّعة في جامعة United Academics، يُعتقد أن أصل المشكلة يكمن في المناطق الدماغية التي تتحكم بدقة في حركة عضلات النطق، خاصة العضلات المسؤولة عن تشكيل الحروف المتحركة. فهذه الفئة من الأصوات تعتمد اعتمادًا كبيرًا على تموضع اللسان داخل الفم، وعلى تغيّرات دقيقة في ارتفاعه، وانحرافه، وطريقة ملامسته لمخارج معينة. أي خلل طفيف في هذه الآليات – سواء بسبب إصابة دماغية، أو سكتة، أو تلف عصبي – يمكن أن يغيّر شكل الصوت الناتج بصورة غير متوقعة.

ومع فقدان العضلات لجزء من دقتها في التنسيق، تصبح الحركات النطقية أقل انضباطًا، مما يؤدي إلى خروج أصوات لا تشبه تلك التي اعتاد الشخص إنتاجها. هذا التغيّر قد يبدو بسيطًا من الناحية العضوية، لكنه من الناحية السمعية قادر على خلق نمط صوتي جديد كليًا في آذان الآخرين، نمط يُفسَّر غالبًا على أنه لهجة أجنبية غامضة. وهكذا يظهر ما يشبه “هوية صوتية بديلة”، لا يتقنها المتحدث ولا يقصدها، بل تنشأ نتيجة اضطراب عصبي دقيق يربك أحد أكثر الأنظمة تعقيدًا في الدماغ: نظام التحكم بالنطق والإيقاع الصوتي.

تشير الدراسات والأبحاث في هذا المجال إلى أن المصاب بمتلازمة اللكنة الأجنبية لا يقوم بتعلّم لهجة جديدة فعلًا، بل يحدث تحوّل دقيق في طريقة نطقه للكلمات، بحيث تتغيّر النبرات والإيقاعات وحركات الفم واللسان بطريقة تجعل الصوت الخارجي يبدو مألوفًا للمستمعين. فالآخرون قد يسمعون لهجته ويظنون أنها فرنسية أو روسية أو إيطالية، رغم أن المصاب نفسه لم يتعلّم أية لغة جديدة أو يعيش في بيئة ناطقة بها. بمعنى آخر، ما يسمعه الآخرون كلغة أجنبية هو نتيجة تراكب أخطاء دقيقة في النطق والإيقاع، وليست لهجة مكتسبة بالمعنى التقليدي.

ورغم الطابع الغريب أو الطريف الذي قد تبدو عليه هذه الظاهرة للوهلة الأولى، فإن الواقع النفسي والاجتماعي للمصاب مختلف تمامًا. الكثير منهم يصفون شعورًا عميقًا بفقدان جزء من هويتهم، إذ لم تعد طريقة كلامهم تعكس تاريخهم اللغوي أو شخصيتهم اليومية. هذا التغيير المفاجئ في الصوت واللكنة يمكن أن يخلق شعورًا بالغربة داخل الذات، ويؤثر على الثقة بالنفس وطريقة التفاعل مع الآخرين.


"How Neurological Injuries Change Speech and Accent"
"How Neurological Injuries Change Speech and Accent"


وقد يؤدي هذا الوضع إلى سلوكيات تجنبية؛ فبعض المصابين يفضلون الحدّ من حديثهم أمام الناس أو الامتناع عن التحدث في الأماكن العامة خوفًا من الاستفهامات أو النظرات الغريبة. أما آخرون فقد يواجهون مشاعر القلق أو الاكتئاب نتيجة هذه التغيرات الصوتية غير المتوقعة، إذ يشعرون أنهم أصبحوا منفصلين عن هويتهم الطبيعية، وكأن شيئًا أساسيًا في شخصيتهم قد تغيّر دون أي إرادة منهم. وبذلك، تتحول المتلازمة من مجرد حالة نادرة وغريبة إلى تجربة حياتية صعبة تحمل أبعادًا نفسية واجتماعية عميقة لا يمكن تجاهلها.

google-playkhamsatmostaqltradent